السيد محمد باقر الصدر
33
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
بإمكان استنتاج السببيّة ولون من التلازم من الاستقراء الكامل على أساس مبدأ عدم التناقض ؛ لأنّا إذا أردنا أن نقرّر في نتيجة الاستقراء الكامل رابطة سببيّة ولوناً من التلازم بين الجوع والإنسانيّة ، فقد أضفنا إلى النتيجة شيئاً جديداً لم يكن محتوى في المقدّمات ؛ لأنّ المقدّمات تقول : هذا الإنسان يجوع وهذا يجوع وذاك يجوع ، ولا تقول شيئاً عن التلازم والسببيّة ، وبذلك يفقد الاستنتاج في حالات الاستقراء الكامل مبرّره المنطقي ، ويعجز مبدأ عدم التناقض عن تفسيره ؛ لأنّ النتيجة تصبح أكبر من المقدّمات ، ومبدأ عدم التناقض إنّما يفسّر ويبرّر الاستنتاج في الحالات التي تكون النتيجة فيها مستبطنة بكامل حجمها في المقدّمات ، أي مساوية لها أو أصغر منها . وإن كان المنطق الأرسطي يتبنّى الإجابة الثانية ، ويفترض أنّ النتيجة التي يؤكّدها الاستقراء الكامل هي أنّ كلّ إنسان يجوع ، دون أن يدخل فيها أيّ افتراض للسببيّة والتلازم ، فهذه النتيجة يمكن تبريرها منطقيّاً على أساس مبدأ عدم التناقض ؛ لأنّها محتواة في نفس المقدّمات . ولكنّ الاستقراء الكامل في هذه الحالة لا يمكن أن يتّخذ برهاناً بالمفهوم الأرسطي للبرهان . ولكي نعرف ذلك يجب أن نحدّد المفهوم الأرسطي للبرهان : إنّ المفهوم الأرسطي للبرهان هو : اليقين بثبوت المحمول للموضوع عن طريق معرفة العلّة الحقيقيّة لثبوته له . فكلّ قضيّة علم فيها بثبوت المحمول للموضوع وكان ذلك عن طريق معرفة العلّة التي من أجلها ثبت المحمول للموضوع فهي قضيّة برهانيّة . وهذه العلّة قد تكون نفس الموضوع حيث يكون المحمول ذاتيّاً للموضوع ، وقد تكون شيئاً آخر . ففي الحالة الأولى تكون القضيّة من المبادئ الأولى للبرهان ، وفي الحالة الثانية تكون القضيّة برهانيّة ثانويّة يثبت محمولها لموضوعها بعلّة معيّنة .